top of page

شاعرة سُوق عكاظ

تاريخ التحديث: قبل 5 أيام

سُئل جرير عن أشعر الناس فقال:


-أنا لولا الخنساء.


وعندما نقرأ هذا الاعتراف فلا نستطيع أن نمر مرور الكرام من دون أن يحرك فضولنا عن سيرة الخنساء فمن هي تلك الشاعرة التي أثرت بجبورت عظمة صاحب معلقة من المعلقات السبع؟



من هي الخنساء؟


في الحجاز و خاصة قبل الإسلام و تحديدًا في سوق عكاظ الذي كان آنذاك القلب النابض للملتقى الثقافي والعربي في الجزيرة العربية، بل كانت أشبه بمحكمة العرب الثقافية، حيث تطلع الشمس و تفتح أبوابها و تخطي الإبل وعلى ظهورها الأقمشة و السيوف المصقولة. قدمت امرأة إلى السوق و كان القدوم بحد ذاته رحلة مليئة بالثقافة و الهيبة والقدوم لا بالأفراد، بل بالقوافل... القبيلة تتحرك كروح واحدة، التاجر مع أمله، الفارس بهيبته و الشاعر بسمعته، لكن بطلة القصة كانت تخطي بمفردها لا بحشد، ولا بأمل، ولا بفخر، ولا أحد يميزها في السوق... كانت تخطي بذكرى واحدة و صورة واحدة في عينيها الذي هو صخر، صخر الذي تسلطن في ذاكرتها.


تُمَاضِرُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ السُّلَمِيَّة شاعرة عربية ربط اسمها في أكثر من دواوين العرب، شاعرة الرثاء، ولدت في بادية بني سليم في زمن لا يربي المرء على اللين، بل على الصبر، المبادئ، الوقوف و الحكمة. لقبت بالخنساء لصغر أنفها و ارتفاع أرنبيها و هي ابنة أحد شيوخ العرب و أخت لمعاوية وصخر. تربت في بيت قوي يغلبه الحكمة قبل القرار و حظيت الخنساء بطفولة عادية لا سيما انها كانت تحفظ الشعر و تصونه و تفهمه و لم تكن تكتب أو تلقي الأبيات، بل كفت باتخاذه و مزاولته في قلبها و عقلها.


علاقة صخر والخنساء


رفضت الزواج من غير بني عمها فتزوجت عبد العزى بن عبد الله بن رواحة، المُقامر وهي التي رفضت سيد بني جشم، ومن قبله رفضت سيد آل بدر و أصرت بالعادات الوثيقة عند نساء قبيلتها. كان زوجها رجل متجرد من القيم و المسؤولية فلم يكن يمد من جيبه إلا في القمار و ناسي واجباته اتجاه نفسه و زوجته، و عند الحديث عن القيم فلم تمنعه نفسه على ذهاب زوجته لأخيها صخر لطلب المال فاستغل محبة صخر لأخته و تلبية صخر لطلبات تماضر.


و هنا نرى العلاقة الجميلة التي استوطنت قلبيهما التي تعدت الدماء فكان صخر درعها في قومها و سياج اسمها بين الرجال و من بين الأبيات الجميلة التي ألقته تماضر لأخيها:


وَما يَبكونَ مِثلَ أَخي وَلَكِن 

أُعَزّي النَفسَ عَنهُ بِالتِأسِي

فَلا وَاللَهِ لا أَنساكَ حَتّى 

أُفارِقَ مُهجَتي وَيُشَقُّ رَمسي


أخيها معاوية و التغيير في محور شعرها


لا يوجد أهم و أشأم من اليوم الذي أعجب معاوية في فتاة في سوق عكاظ، تروى القصة في أحد مواسم سوق عكاظ أثناء تواجد معاوية الذي كان من فرسان بني سليم، رأى فتاة بالغة الجمال تُغني بها الحسن عند نظراتها و معاوية كأي فارس لم يقبل بالخروج إلا بمحادثة الفتاة وعندما قدم معاوية لتقديم نفسه إليها و مدحها، أوقفته الفتاة سائلة "ألم تعلم من أنا؟ فأنا زوجة لهاشم بن حرملة الغطفاني" لم يستطع معاوية الابتعاد عنها وعندما شاهدت إصراره قالت "إن كنت كما يقال عنك فأخرج إلى القتال فإن عدت حيًا كريمًا نظرت إلى أمرك" 

و هنا لما يكن الموضوع يتوقف على فوز بامرأة وحسب، بل إثبات ذات و امتحان قدر خاصة عند الفرسان.

انتهى الموسم و مر الوقت و لكن بعد لقاء معاوية بالفتاة سوف يبدأ برسم نمط جديد في الشعر العربي. عندما سمع هاشم عن معاوية قامت مناوشات وخرج كلاهما للقتال، فأراد هاشم دمه و أزالته بعد ما رن أذنه عن الواقعة، قبل المعركة نهى أخيه صخر معاوية عن الأمر و لكن بعد انتشار الخبر أصبح الموضوع واجب ان يخرج إليه و حسمه فلا جدوى في نقاش، جمع معاوية رجال قومه و أشر بسيوفهم لأجل تلك المرأة و في الجاهلية كان الأمر أقل من عادي. 

بعد المعركة عادوا قومه من دون راية نصر أو نشيد يهتفون به، بل بأول مصائب الخنساء التي تبلورت و تعمقت قلبها و التي هي بموت معاوية. قبل إبلاغ صخر عن وفاة أخيه وعندما قُتِل معاوية، ذهبوا جماعته لنيل ثأرهم عند أحد سادة القوم فقتلوه ثم هربوا ثم عاد رجال قومه إلى صخر ليخبروه بإن معاوية قُتِل. أثار غليظ أخيه تلك الكلمة و سألهم عن من قتله فقالوا له بأنه هاشم و لكن اخذنا بثأره من أحد السادة فقال "أخي ليس عن سيد قوم بل عن أُناس" و لم يقبل بذاك الثأر بل أراد أن ينال بهاشم و من معه.

وصل الخبر إلى الخنساء و كان الخبر بداية لولادة ضميرها الرثائي حول أخيها معاوية كانت مأساة بحد ذاته عند بني سلم و ذكرت بعض الأبيات التي قيلت لمعاوية في ذاك الوقت، فموضوع معاوية بانه قُتِل غدرًا لم يثبت من بعض الرواة والروايات و لكن ما يعلمه المؤرخين بانه أريق ظُلمًا و هذا ما حرك صخر و من معه لنيل ثأر أخيه رغم رفض تماضر عن هذا الثأر و المحاولات الفاشلة لإقناع أخيها على أن لا تضاعف جرحها بجرحين، أصر صخر و أقسم أن يبيد هاشم و من معه لإطفاء غليظ قلبه و بدأ حملته يومًا بعد يوم لإخماد غضبه على موت أخيه بالثأر.


انفجار قريحة الخنساء في موت صخر


أثناء رحلة صخر و معاركه، رجل من قبيلة متحالفة مع قبيلة هاشم استطاع بكيد و جرح صخر و الجرح لم يكن جرح يطيب، بل مميت و عاد إلى دياره حاملًا جرحه. عاشرت الخنساء ما تبقي من الوقت قبل ممات أخيها صخر و حاولت بكل استطاعتها أن تشافيه أيام و شهور و كان يومًا بعد يوم ذاك سيد القوم يضعف أمامها و يفتقر إلى الحيلة استمر ذلك إلى ما مات صخر لا في صليل السيوف، بل في صمت الخيام و هنا تنفجر قريحة الخنساء بعد زواجها من رجل عديم الرجولة و موت أخيها معاوية في مشهد لا يليق بمقامه و أخيرًا موت صخر الذي كانت تشهد موته البطيء و انكساره يومًا تلو الآخر إلى ما توقفت شفتاه عن الحركة.


الخنساء في سوق عكاظ


الأحداث سوق عكاظ الوقت موسمي و الخيم منصوبة و الشارع يزدحم بين أبطال القصص من الفرسان إلى الشعراء والأخيل الأصيلة تباع  و الأقمشة العليلة تعرض والأبيات الجديدة جاهزة لتُخلد والرياح تهب بالكبرياء. لم يكن مجرد سوق بل قضية يجد فيها العربي لا السيف يعلن النصر بل الكلمة و خاصة عند الشاعر فإنه من خسر في عكاظ فنفى في الذاكرة العربية ومن فاز فختم له المجد. في قلب السوق كانت الكلمة لها شأن لدى النابغة الذبياني التي كانت خيمته موروث للديوان العربي، حضرت الخنساء إلى النابغة بثوب الرثاء لا حدادًا معلنًا بل فنًّ مُلقية و كما ذكرت من قبل الصورة التي تقطر من عينيها… صخر.

أنشدت قصيدتها:



”قَذىً بِعَينِكِ أَم بِالعَينِ عُوّارُ      أَم ذَرَّفَت إِذ خَلَت مِن أَهلِها الدارُ

كأنّ عيني لذكراهُ إذا خَطَرَتْ    فيضٌ يسيلُ علَى الخدَّينِ مدرارُ“


واختتمت القصيدة…


”وَإِنَّ صَخرًا لَتَأتَمَّ الهُداةُ بِـهِ      كَأَنَّهُ عَلَــمٌ فـي رَأســِهِ نــارُ

وَإِنَّ صَخرًا لَمولاِنا وَسَيِّدُنا.      وَإِنَّ صَخرًا إِذا نَشتو لَنَحّارُ“


ألقت لا بالغزل أو الفخر بل بالرثاء لأخيها متسائلة نفسها، هل الحزن الشديد في عينيها هو مرض مزمن أو دائم أو كشعور الفقد التي يفتقره الدار لصخر؟ واختتمت المرثية بانه صخر كالجبل الذي يُشب به النار ليهتدي المارة طريقهم. كان البيت يخرج منها موزون و يسبب الذهول للحضور و كأن أبياتها كالحجارة تُرمى على كل بئر فتُصيب، عندما انتهت قال النابغة:

”لولا أن أبا بصير أنشدني قبلك لقلت… إنك أشعر الناس“


وفي رواية أخرى

”والله لو لم يدخل علي الأعشى لقلت انك أشعر الجن و الأنس“.

لم ينبس احد ببنت شفة إلا حسان بن ثابت الذي كان متواجدً و ألقى قبل الأعشى و الخنساء مئة بيت، ثار جنونه بعد شهادة النابغة. وَقَفَ حسان بكل جنون و غرور و قال للنابغة : ”والله لإني أشعر منك و منها…“ جعل النابغة قول حسان بن ثابت بداية لمبارزة شعرية و قال للخنساء أجيبه، فقالت له: ”من المئة البيت حدد أفضل بيت من القصيدة“ (بيت القصيد)… فقال:


”لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلمَعنَ بِالضُحى    وَأَسيافُنا يَقطُرنَ مِن نَجـدَةٍ دَما

وَلَدنا بَني العَنقاءِ وَابني مُحَـــرِّقٍ     فَأَكرِم بِنا خالاً وَأَكرِم بِنا اِبنَما“


لم ترد عليه الخنساء لا لحسن البيت بل ردت الخنساء بانه بيت القصيد الذي يفتخر به هو بيت يقلل من فخره فوقع حسان في حيرة عن ما تقوله الخنساء فقالت:

” إنك قلت جفنات و جفنات جمع قلة أم تحت العشرة و يجب أن تقول الجفان، وذكرت  يلمعن في الضحى ولو قلت يَبرُقن بالدجى لكان أبلغ في المديح، لأن الضيف بالليل أكثر طروقً و اللمعان لا يدل على المفخرة في الضحى…“


وجدت الخنساء ستة أم ثمانية أخطاء في القصيدة لم أذكرها و حسان بن ثابت لم يكن أي شاعر بل أقرب إلى نابغة و من شعار الجاهلية المعروفين و لكن دهاء الخنساء كان متفوق لأي رجل كان يظن بأنه هو أشعر منها.


قصة الخنساء من القصص الغنية الثقافية الملهمة أيضًا في الإطار الديني فإذا نظرت إليها بزاوية بعد و قبل إسلامها فبعد إسلامها نشدت عن أبنائها الأربعة الذين استشهدوا في معركة القادسية و سألت بعد المعركة ”أين أبنائي“ فلم يكن أحد يعلم كيف يخبر للمرأة التي تفوقت على كل شاعر انذاك بسبب موت أخيها، فإذا هي أصبحت أفحص العرب بالرثاء بعد موت أخيها فماذا سوف يحدث بعد استشهاد أبنائها الأربعة؟

الكثير تصوروا مرثية لكل من ابنائها و لكن حين علمت قالت:

”اللهم لك الحمد إن مننت علي باستشهادي و موعدنا الجنة بإذن الله“


وهذا خير المثال للرضاء بقدر الله سبحانه وتعالى.

تعليقات


bottom of page